صور في الهند 1977

Pictures In India 1977

الزوار الكرام

ها أنذا أواصل معكم رحلتي قدما إلى ربوع شبه القارة الهندية ، واليوم الخميس 28 تموز /جويلية 1977 ، الساعة الحادية عشر والنصف ، غادرت فندق شوهان الجديد New Chohan Hotel وكان في وداعي الشاب راجه سليم أختر – ديره غازيخان – الذي تجولت معه في مدينة لاهور : حدائق شاليمار ، وزيارة ضريح الشاعر والفليسوف محمد إقبال،وجامعة البنجاب على عجل .

في محطة القطار في مدينة لاهور ، الجو حار جدا ، والمطر ينهمر مدرارا ، وكأنه ينذر بأن زلزالا سماويا سيقع ، سألت شابا عن ممر القطار المتجه إلى الحدود الهندية ، وكان مع عائلته المتكونة من صغار وكبار ، لقد تأملني ، وكأنه ينظر إلى غائب عائد من سفر طويل ، تكلم معي ، وتفاهمنا من حيث أنني سائح متنقل ، وعرفت أن العائلة من كشمير ومتجهين إلى العاصمة "سرينغار " وقد هم أحد إخوته بحمل حقيبتي الظهرية ، ليضمها إلى حمولتهم ، إلا أنني اعتذرت ،وودعت العائلة الوادعة بنظرات فهمت بعض مغزاها في بنجاب الهند ، والتقطت صورة تذكارية لمسجد المحطة الذي أديت فيه ركعتين شكرا لله تعالى عز وجل ،ودعوته أن يهديني إلى سواء السبيل .

حان موعد انطلاق القطار من مدينة لاهور إلى منطقة الحدود الباكستانية – الهندية ، كنت في قاطرة لا أعرف درجتها ، لكن الذي عرفته أنني مع طبقة – معتبرة – والمسافة حوالي 35 كيلومتر ، وقد لاحظت صورا وتماثيل ، تدل في إيماءاتها وإيحاءاتها أنها تدعو إلى السلم و التآخي بين سكان المنطقة ، وشعارات مكتوبة باللغة الأردية – إحدى لغات المجموعة الهندية ، تكتب بأحرف عربية وتقرأ بلغة محلية – وباللغة السنسيكرتية – إحدى اللغات الهندية المنقرضـة ، وقد بعثت من جديد على يد الشاعر "را بند رانات طاغور " ( 1861-1949) حيث ألف عدة دواوين بها ، نال جائزة نوبل في الأدب عام 1913 لأنه أحيا لغة كانت تعتبر من اللغات العامية .

نفس اليوم الساعة الخامسة مساء، موعد انطلاق القطار من الحدود إلى أول مدينة هندية " أمريتسار" في القاطرة وجدتني مع قوم يعتمرون الشملة السوداء فوق رؤوسهم ، بل هناك من يعتمر شملة زرقاء أو بيضاء على الأكثر ، كنا حوالي عشرة ركاب في القاطرة ، البعض واقف و كأنهم يتربصون أو يترصدون لآت ، إنهم جميعا يضعون ( السوار الحديدي ) في معاصمهم  ولاحظت أن هناك رابطـة قوية تجمعهم بحيث إذا تكلم أحدهم أصغى الجميع ، إذن هؤلاء هم السيخ ،  وأنا في حكم ضيافتهم .

وصلت إلى محطة مدينة أمريتسار، رأيت بعض المسافرين يسرعون في الخروج من ثغرة في حاجز شائك مرورا على خطوط سكك الحديد ، خرجت معهم ، بعد أن تعثرت قليلا ، لأني لم أكن لأسأل عن الطريق والحالة هذه ، سألت عن الفندق، فكنت في فندق " ماجستيك " والأجرة ( 10 روبيات ) ، قضيت ليلتها في نوم مريح ،ونهضت مبكرا على أنغام تتردد بصوت رخيم – ترانيم مقدسة - منبعثة من أحد المعابد القريبة ، عرفت بعدها إنه القبر الذهبي للسيخ ، اتجهت إلى المعبد الذهبي رفقة الشاب Daya Nand Kayah الذي تجولت معه في أرجائه لأكثر من مرة .

في أول مدينة هنديـة أمريتسار

في معبد السيخ الذهبي

Golden Temple

محمد العيد مطمر في مدخل المعبد الذهبي للسيخ  

وصلت إلى أول مدينة هندية بـ" البنجاب" ( الأنهار الخمسة ) أمرتسار ( البحيرة الأبدية ) بالقطار قادما من مدينة لاهور بباكستان ( أرض الأطهار ) ، كانت إقامتي بفندق  "ماجستيك" وقد

 DAYA NAND KAYAH تعرفت على شاب من السيخ يدعى

بدأت جولتي معه بالمعبد الذهبي ، الذي أسسه المعلم الديني "رام داس"وبذلك أصبحت أمرتسار المدينة التي يحج إليها السيخ في أعيادهم وقد أطلقوا على

SINGH أنفسهم ( الخلصاء ) واتخذوا جميعا لقب 

ومعناها الأسد

صورة مقربة للمعبد الذهبي

في مدخل المعبد الذهبي ، يطلب خلع الحذاء ، وغسل الرجلين ، وتغطية الشعر بـشلمة قد تكون زرقاء أو أي لون،ويقدم أكل لذيذ يضعه أحد الكهنة في فم الزائرين

مع الشاب الذي تجولت معه في أرجاء المعبد خاصـة في قاعة المتحف  الكبرى و قاعات أخرى ، وهناك قاعـة خاصـة لمصنوعات 

 نحاسية قديمـة منها : آلات حرب ، وآلات موسيقية ،و في إحدى القاعات العليا ،نجد مخطوطات لكتابهم المقدس

( جرانت صاحب )

وصورة كبيرة  مؤطرة لمؤسس مذهب السيخ (المريدون) الغورو  (المعلم ) ناناك 

بعد جولة  في جوانب المعبد ، أرى أن أوضح أنه في القرن الخامس عشر الميلادي ، ظهرت نهضة هندوسية جديدة نشـأ عنها قيام مذهب السيخ  SIKHISM

 

صور بمدخل المعبد الذهبي للذكرى 

الغورو ناناك ، مؤسس مذهب السيخ

  ولد سنة 874 هـ - 1469 م على شاطئ نهر ( رافي ) قرب لاهور ، وكان أبوه تاجرا للغلال ،ولما شب قرأ شعرا كثيرا ، وتشربت روحه بالإصلاح الديني وأخذ يتنقل    بين المعابد والمساجد والأضرحـة وفي تجواله زار مكة المكرمة وبغداد ، توفي سنة 992 هـ/1583 مـ واستمر مذهبه بعد موته إلى اليوم 

محمد العيد مطمر مع كبار كهنة السيخ 

في مدينة بغداد  ، كانت إقامة الغورو ناناك قرب ضريح الصوفي الجنيد البغدادي بحي الشالجية بالكرخ ، ويفصلها عن منطقة الرصافة جسر باب المعظم ( نسية إلى الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ) ( 80 هـ - 150 / 699 - 767 مـيلادي ) دفين حي الأعظمية  ، الذي يفصله عن حي الكاظمية جسر الأئمة ، وقد كان مذهب الامام ابو حنيفة : المذهب الرسمي للدولة العباسية والدولة العثمانية بمصر    

زرت  ضريح الجنيد البغدادي  ، بعد عودتي من جولتي في الهند  ، وقد زرت المعبد الذهبي للسيخ بمدينة "امريتسار" وكنت مع كبار

 كهنتهم ، وهنا اعتبرني السيخ المقيمين في بغداد زائرا مقربا لهم  ، حيث اعتدت على مجالسهم 

جلستي مع السيخ و تناول أكلة تقدم في المناسبات الدينية وتشبه عندنا في الجزائر ( الطمينة ) ذات الطعم اللذيذ  

وقد وقفت على مافي داخل المقام ، أذكر الكتب المقدسة المكتوبة باللغة السنسيكرتية ( اللغة المهذبة ) ذات تجليد و أغلفة من النوع الجيد

منها كتاب السيخ المقدس " جرانت صاحب " ويقع في مجلد واحد  ، وتبلغ صفحاته 1200 صفحـة ، ويستعمله السيخ في صلاواتهم

ومناجاتهم  و يردونه في أفكارهم ومجالسهم فيما بينهم وبين أنفسهم ، وذلك صبيحة كل يوم جمعـة  

      .fr

السيخ قوم طيبون كرماء يعملون  على تقديم ما يمكن معرفته عن مذهب السيخ 

أطفال السيخ يلعبون بكل عفوية ووداعـة أمام الزائر محمد العيد مطمر 

التقاط صورة تذكارية لكبار كهنة السيخ في ضريح الجنيد البغدادي

هذا وأذكر للزائر الكريم ، أن وجودي في صيف 1977 بالهند صادف فوز حزب "جاناتا" ( برئاسة مورار جي ديساي ) على حزب المؤتمر الهندي  برئاسة أنديرا غاندي ، إلا أنه في عام 1980 فاز حزب المؤتمر بأغلبية المقاعد في مقاطعة البنجاب وأقصي بالتالي حزب السيخ ( أكالي دال ) بزعامة هارشارد سينغ ، وتسارعت الأحداث ،  فكان اقتحام المعبد الذهبي في يوم 6 جوان 1984 وتمت محاصرة زعيم طائفة السيخ ( سانت جارنايل بيندر أنوال سينغ ) وعدد كبير من أتباعـه وكانت خسائر بشريـة خاصة في جانب السيخ ، إذ قتل بعض كبار الكهنة وأصيب المعبد بأضرار  ، وإعلان الأحكام العرفية إلى أجل غير مسمى في ولاية البنجاب ، وفي يوم 29 سبتمبر1984 انسحب الجيش من المعبد الذهبي  ، وسلم المزار إلى كبار كهنة السيخ  ، واندفع الآلاف من السيخ للاحتفال بانتهاء الوجود العسكري الذي دام115 يوما ، وقد أعرب كهنة المعبد الخمسة عن ارتياحهم ، وطار الرئيس الهندي ( زيل سنغ ) سيخي  إلى أمرتسار ، وفي احتفال كبير أعيد الأمن و النظام للمعبد ، واندفع إلى داخله أكثر من 40 ألف سيخي للتأمل و العبادة ، واغتيلت أنديرا غاندي في يوم 31 أكتوبر 1984 لمزيد من المعلومات ، انظر المقابلة الصحفية في صفحة ما كتبته الصحافة عن رحلاتي

أقول كلمة ولا بد منها

 إن السيخ أناس طيبون في معاملاتهم ، متصوفون في عبادتهم ، كرماء مع غيرهم  

 HARYANA  إلى ولايــة هاريانا  

New Delhi ومركزها نيودلهـي

في نيودلهي 

أول ما شاهدت في مدخل العاصمة المركزية لجمهورية الهند الديمقراطية نيودلهي ، تمثال ملك بريطانيا جورج الخامس ، الذي شيّد المدينة الجديدة نيودلهي عام 1911 .. وهي مدينة خُطت شوارعها ، وأنشئت فيها دور الحكومة وفيها نافورات وحدائق

NEAR IMPERIAL CINEMA MAIN BAZAR , PAHARGANJ , NEW DELHI -55 وبساتين وقد نزلت في فندق " سابنا 

ولاحظت أنه في كل أمسية يأتي الخطباء  في ساحة مؤسس المدينة ، ليلقوا كلماتهم بحماس ، ولا يهمهم الجمهــــور       

صورة من الطابق الثالث بالفندق ، تظهر فيضانات ، تسببت في كثير من الأضرار المنظورة 

وقفة بنصب الجندي المجهول ، مرورا إلى ضريح الزعيم الماهاتما غاندي ( الروح الكبيرة  ) 1869 -1948      

في الطريق إلى قبر الزعيم ، مررت أولا بمبنى البرلمان الهندي ، وبالمناسبة وجدت المصورين يلتقطون لقطات لفيلم يبدو أنه سياسي ، لأن الممثل كان يتكلم بلهجة حماسية بعيدة عن العواطف ، و لدى وصولي إلى ضريح الزعيم غاندي وهو عبارة عن مدخل متواضع  ،

 يدخل إلى حديقة واسعة غنّـــاء ،  ومن تّم ممر طويل حتى الضريح ، وقد طلب مني الحارس أن أخلع حذائي ففعلت ، ووقفت عند القبر  في إكبار لروح غاندي

والقبر عبارة عن مربع كبير يعلو عن الأرض نحو 90 سنتيم ، وعليه باقات الزهور والأكاليل ، التي يضعها الزوار وبجانبه صندوق حديدي لوضع التبرعات داخله ، وقد تبرعت ببضع روبيات .. وفي بعض قاعاته ، نجد صورا وتماثيل مجسمة لمسيرة حياة غاندي إلى اغتياله أثناء تأديته الصلاة في يوم 30 يناير - جانفي - 1948 ، وهناك صورة مكبرة للمحرقة التي ضمت رفاته

و زوار ضريح غاندي كثيرون يزورونه يوميا ، وتوجد بساحة المقبرة مكتبة تباع فيها كتبه ، التي ألهبت مشاعر الشعب الهندي ،

 ضد الاستعمار الانجليزي ، وبعض صوره التي يرسمها الفنانون والزوار السياح ، وقد رسمت صورة وقتها، وطُلب مني تركها

في المتحف باسمي  ، وهي هذه الصورة : رقم 15 في محور لوحات بريشة الدكتور محمد العيد مطمر

زيارة القلعة الحمراء (لال قلعة) بدلهي

تجولت في دلهي ،  فبدا لي أنها من المدن القديمة التي غالبت الزمن ، حتى قيل أنها تقوم على أنقاض إحدى عشر مدينة  ، ازدهرت من قبل  ، وما تزال لها بقية من الأطلال وتمتاز بكثرة المساجد وبمآذنها العديدة ، التي تكسب المدينة مظهرا إسلاميا بحتا .. ومدينة دلهي القديمة بناها شاه جيهان (ملك العالم )  بعد أن قرر نقل عاصمته من أجرا ، واختار مكانها هذا ، ووضع أول حجر سنة 1048 هــ/1638 م وتمت في تسع سنين  ، فانتقل إليها في حفل مهيب

وقد كنت في القلعة ،  وحضرت جانبا من احتفالات الذكرى الثلاثين لعيد استقلال الهند في  مثل هذا اليوم  15 أغسطس

1977 -1947     

في مثل هذا اليوم  قبل ثلاثين عاما ، عندما أعلنت دقات الساعة منتصف الليل  ، وعندما ابتدأ 15 من أوت 1947  نزل العلم البريطاني الاستعماري ،  وارتفع علم الهند المستقلة عاليا ، واستعادت الهند حريتها من استعمار دام 450 سنة .. كانت الاحتفالات ،  التي رأيتها بهيجة ، وقد تم عرض فيها مختلف فرق القوات المسلحة الهندية ، وامتزجت معها الأهازيج  التي تمثل مختلف أطياف المجتمع الهندي  

في لحظة منتصف الليل  ،عندما تسلم جواهر لال نيهرو ولصالح شعب الهند مقاليد الحكم كأول رئيس للهند التي انبعثت بين مشاهد بهيجة لا توصف لمئات الملايين من المواطنين  الأحرار الجدد ، وقد وصف نيهرو تلك المناسبة على أنها "موعد مع القدر" وفي القلعة الحمراء شاركت في ذكرى  الاحتفالات الرسمية  ، التي جرت وقد ردد الشعب نشيد الهند الوطني ، وهذه مقتطفات منه:

تباركت يا محرك العقل البشري  يا من بيده مصائر الهند

باسمك تعمر قلوب الناس في البنجاب والسند وغاجورات

وبه تغني الأمواج في بحر الهند ، كلها تسبح بحمدك ، وترتل*

آلائك ونعمك ، أنت يا من تهيمن على مصائر الهند..

المجـــــــد المجـــد المجـد المجد

شعر : طاغور   

 

إليك أخي الزائر وصف قاعة من قاعات القلعة ، وهو قصر الزجاج أي " رانج محل" البراق.. وكان خاصا بالأميرة  ممتاز محل "زوجة "شاه جيهان " وما تزال في سقفه بقية من الفضة المرصعة من زهور من ذهب ، يحوطها بريق خاطف ، وهناك مسجد اللؤلؤة داخل القلعة  ، وقد صرف في زخرفته الكثير ، حتى أضحى أجمل مساجد الهند وأصغرها  ، وكان يشبَّه بالدرة أو اللؤلؤة لصغره وجماله.. وهناك مبنى الديوان العام  ، الذي يقوم سقفه على بوائك وعمد تخطف البصر بنقوشها الرائعة  ، وهو يعد آية من آيات فن العمارة الإسلامية، وهنا يحار الإنسان لما يرى من مظاهر شبيهة بما قرأنا في ألف ليلة وليلة، وقد نقشت  بالذهب على بعض الجوانب ما معناه :" إذا كان للأرض نصيب من الجنة ، فهو لاشك في هذه الدار  "  

كان علي أن أخطو اتجاه أكبر مسجد بالهند وقد صليت فيه ركعتين لله تعالى ،انه المسجد الجامع ،الذي يتوسط

ميدانا فسيحا من العاصمة "دلهي " وقد صعدت إليه بسلم عظيم الامتداد في جميع جوانبه ،  وأبوابه من نحاس

ثقيل وسط بوائك فاخرة  ، تؤدي إلى فناء رحب يتوسطه حوض الوضوء ، والمنبر يقع تحت قبب ثلاث ،بجانبها مئذنتان دقيقتان وفي ركن من المسجد  ، وقفت على غرفة صغيرة فيها بعض آثار النبي محمد

 صلى الله عليه وسلم  ،وضعت في علب من فضة وذهب  و زجاج تملؤها الزهور من داخلها ومن هذه الآثار

شعرة واحدة من لحية رسول الله  صلى الله عليه وسلم ،  و قطعة من رخام عليها طابع قدمه الشريف ، وحذاء من جلد الجمل في شكل الخف ، ومخطوطان للقرآن  الكريم كتب بالخط الكوفي أحدهما بخط الإمام

علي ـ كرم الله وجهه ـ والأخر بخط ابنه الحسين  ـ رضي الله عنه ـ  ومم يلفت النظر كثرة أسراب الحمام فوق  صحن المسجد كحال حمام الحرمين الشريفين .

زيارة محمد العيد مطمر إلى  مسجـد قوة الاسـلام " الأثر الاسلامي الخـــالد" بضواحي دلهي

أجّرت سيارة إلى مسجد قوة الإسلام بضاحية مدينة دلهي ، ويعتبر أول مسجد  شيده قطب الدين أيبك سنة 597 هــ / 1200 م ، تذكارا لفتحه دلهي سنة 589 هـ / 1193 م واستخدم في بنائه كثيرا من أعمدة المعابد وأحجارها ، وأعظم ما يلحق به مئذنته العظيمة  " قطب منار" وليس لهذه المئذنة مثيل في العالم، وقد أصبح المسجد نفسه أطلالا ،  لكن المئذنة مازالت قائمة ، كما رأيتها وصعدت مدارجها من الداخل  ، وقد التقط صورا من الأعلى إلى الأسفل حيث الناس يظهرون حول العمود الحديدي بالساحة العامة .    

 

في وسط المسجد يوجد عمود حديدي قديم ، وقد شاهدت الكثير من النساء يقفن بجانبه ،  ويلففن أذرعهن عليه ، ويتمتمن بشيء ولما سألت عن ذلك  ، فهمت أنه قد يستجاب به دعواتهن

قطب منار : برج شاهق  ،يبلغ ارتفاعه حوالي 90 م . وقد بنـــي من الحجر الأحمر الصلد ، نقشت على أطرافه آيات بينات من الذكر الحكيم ، وقد صعدت إلى قمة المئذنة مع المئات من السياح بواسطة برج حلزوني يضيق تدريجيا حتى وصلت إلى القمة ، ومن هذا العلو الكبير شاهدت دلهي بقسميها القديم والحديث ، رأيت مساجدها  ومعابدها وحدائقها الأنيقة 

مئذنة قطب منار   شيدت منذ مئات السنين ، ومع ذلك فما تزال كالطود الشامخ ، تتحدى عاديات الزمان ، لم تنل منها  الأعاصير  ، أو تؤثر فيها الزلازل ، إنها أعجوبة من عجائب الدنيا ، ومفخرة من مفاخر الإسلام في الهند

آيــات قرآنية كريمة  التقطها مقربة على مئذنة قطب منار

في مدخل معبد هندوسي

في داخل المعبد توجد صور مجسمة لآلهة تعبد ، وقد رأيت آلهة  يتميزون بكثرة أعضائهم الجسدية ، وهناك إلهة الحظ السعيد ، وزوجها اله الحب ، الذي كثيرا ما انقلب إنسانا ليقدم العون إلى بني البشر 

مدخل معبد الهندوس الذهبي،  أثناء الدخول  تقرع الأجراس  ، وهناك إله لا يظهر إلا في ميادين القتال ، والمعارك الضخمة والمنازعات الطاحنة ، وهناك إلهة عندما تكون راضية ، فهي تبدو سعيدة جميلة شابة تمنح الحب والتسامح والكرم، و يستطيع المتعبدون التقرب إليها بتقديم الأضاحي ونحر الذبائح أمام معابدها، وعندما تكون غاضبة ، فإنها ترقص في وحشية وترتعش فوق شيطان  ،وتصب نقمتها على المجرمين المذنبين

بعد زيارة طويلة الى معبد هندوسي  ، رأيت آلهة ضمن بضعة آلاف من الآلهة الصغيرة ،

و آلهة لا تعد ولا تحصى وقد نسجت خيوطها في شبكة واحدة لا نهاية لها

تذكر أخي المشاهد الزائر ، أن أطول سورة في القرآن الكريم هي سورة البقرة

تجولت كثيرا في مدينة نيودلهي ، وأصبحت أذهب يوميا إلى مركز المدينة (caunaught place )

فوجدت أن البقرة مقدسة جدا ، وعلمت أن الهندوس لا يذبحونها ، بل بعضهم يعبدها ، فهي

تنام حيث تشاء في وسط الطريق ،تسير على الرصيف الخاص ببني الإنسان  ، تأكل أحيانا

من دكان صاحب الخضار فيعاملها بلطف لا يستعمله مع أخيه الإنسان لو فعل ذلك. ومن

أطرف ما تراه العين بقرة  ـ طاعنة في السن ـ نامت وسط الشارع العام ، وهكذا تريد غاليا

ويقوم فريق من الناس بالترتيب عليها  ، ثم تدليلها حتى تقوم في عز وخيلاء ، وقد

تطورت هذه الظاهرة  من حماية إلى إعجاب إلى حب ثم عبادة

بقرتان وخنزيرتان تأكلان معا في عرض الطريق ..شيء عادي جدا

ويرى السائح الكثير من المناظر   ، ومنها مناظر لا داعي للخوض في وصفها ، ولا أريد

أن اخرج عن نطاق الضيافة

معابد هندوسية ...ويبدو أن رحلتي كانت عبر مختلف الأديان والمذاهب والعقائد

خرجت من الفندق متجها إلى موقف الحافلة رقم 318متوجها إلى معبد هندوسيا  عملت على زيارته ،ما إن دخلت

حتى رأيت أناسا يضعون ميتا  وسط حزمة من الحطب ،وهنا أدركت أنهم بعد هنيهات سيشعلون  النار فيه ،كنت مستعدا

نفسيا  لأرى المنظر ، وضعت أصبعي على زناد الكاميرا لالتقط صورة على الأقل ،وما رآني احد الكهنة ،حتى أسرع اتجاهي

وأشار  لي بعدم التقاط الصور ،ولكن احدهم قصدني ،وهو في حالة استنفار وما  إن عر ف أنني سائح ،تساهل معي وتلطف

انه لمنظر رهيب ،اشتعلت النيران من كل جانب وبدأت" الطقطقات "تختلط مع اللحم والعضم

واستطعت اثبت إلا أن الرائحة هاجمتني كأمواج عاتية  ،بدأت برائحة تشبه مشوي مقزز لكنها تطورت إلى حريق

مصحوب بغاز ،فهويت أمام الخطر الداهم ،ولما استفقت وجدت الكاهن يرقيني برقاه ويهمهم بكلمات لا افهمها

والظاهر أن حوادث مثل هذه معتادة وطبيعية في مثل هذه المواضع ، وعلاجها جاهز أيضا

أرجو أخي الزائر أن لا يفزعك هذا 

  هيكل يهودي من بعيـــــــــــــــــد ..

سكنات قرب الهيكل اليهودي

بعد دخولي لفيلم هندي في الهنــــد

أرى أن اذكر فيلم "غاندي ملحمة الشرق" .. الفيلم يبدأ بعبارة تقول ، أنه :" من الصعب جدا اختصار حياة رجل في قصة ، الأصل هو الاقتراب  من قلب الرجل " وهناك أفلام أخرى وجدت رواجا واسعا في منطقتنا العربية منها : أمنا الأرض ، ماسح الأحذية ، الزهرة والحجر ، جانيتو وسانغام وغيرها .. التي نالت إعجابنا ونحن صغارا 

في العاصمة رأيت العجب ، حيث وسائل النقل متنوعة ، وبشكل يدل على التقشف الشديد ، واستطعت أن ألتقط صورا لبعض وسائل النقل ، التي صادفتها وهي لعربة يجرها حصان وخلفها  شخصان ، اتخذاها أداة نقل لهما وهي للأجرة عند الاقتضاء ، وهذا يسوق دراجة هوائية رُكبت وراءها عربة صغيرة تتسع لشخصين  أو أكثر ،  يجرها شاب وهو يبذل جهدا كبيرا في دفعها ، حتى لو صادفته عقبة صغيرة جدا ، نزل ودفع الدراجة " البيشا" بيده.. وقد ركبتها وسمعت أنفاسه المتصاعدة وجهده الإنساني الكبير

في الطريق إلى أجرا  

إعلان أمام فندق "سابنا "للاماكن السياحية .. إذ أن حافلة تأتي إلى الفندق كل صباح لتأخذ السياح حيث يريدون بعد تسجيلهم ، ودفعت مبلغ 30 روبية  أجرة الرحلة إلى منطقة أغرا  ،حيث جامع تاج محل ،  الذي يبعد عن نيودلهي بـ 204 كلم. وكنت بعدها بيوم واحد في منطقة أغرا  في تاج محل الخالد، وهو من عجائب الدنيا السبع

محمد العيد مطمر في جامع تاج محل

أخي الزائر ، في اللحظات الأولى التي ترى فيها تاج محل تشعر أنك لا ترى شيئا عاديا ، إنه يبعث قبل أن تصله نوعا من الرهبة و الخشوع ، حتى السياح الأجانب ، تراهم مندهشين أمام هذه الرائعـة ،التي تمثل الحضارة الانسانية الحقيقية بدون بهرج

تاج محل : إنه جلال في دقة صنع وفي حسن تنسيق وآيات للفن في كل ناحية من نواحيه ، فهو وحده خير مبرر لزيارة للهند ، دخلت من الباب الرئيسي وهو وحده قصر فاخر بأقبيته وقبابه ومناراته ، فانكشفت حدائق التاج الفسيحة التي نسقت بالنافورات و المدرجات و الطرقات الملونة و النقائع يزينها زهر ( البشنين ) وورقه ، صفت من حولها مخاريط الشجر الباشق وفي وسط كل أولائك يقوم التاج كالعروس ، ولكن أنا لقلمي أن يخط بدائعه ويحكي إعجازه فقد انقل الكلمات والصور إلى الزائر شيئا من المكان ، ولكن أنا لها أن تشعره بالذهول والإكبار الذي يحسه من يراه بعينه

 

صور لنفسك قصرا فاخرا ، أقيم كله من الرخام الوضاء البراق ، تحوطه في الأركان مآذن دقيقة رشيقـة وتتوسطه قبة كبيرة تحوطها القباب الصغيرة و المنائر الرفيعة ، والأرض والجدران ، كلها قد رصعت بالزهور والزخارف ، لا بالرسم الزيتي بل بالياقوت و الزمرد والزبرجد وما إليها .. وتزين الجدران إلى جانب هذا آيات الذكر الحكيم ، كلها لا بالمداد بل بمقصوص الرخام الأسود ، والمدهش أن المهندس قد راعى المنظور في كتابتها بحيث أنك تراها تبدو في أعلى مكان وفي أسفله بحجم واحد ، رغم علوه الشاهق

 

إننا في داخل التاج ، نرى هندسة عجيبة قدت من الرخام ... وفي قلب المكان نرى المقبرة من المرمر رصع بمختلف الأحجار الكريمة يحوطها صور من مقصوص الرخام وهذه تضم رفاه زوجة الشاه جيهان ( ممتاز محل ) وكان يحوطها صور من فضة ويكسو الفضة غشاء ثقيل من الذهب الخالص ويدخل الضوء من الباب فقط ، فيسقط على المقبرة رأسا فتشرق وسط الأركان المظلمـة وقد ألصقت بجانبها مقبرة أخرى ، دفق فيها زوجها ...قبل أن نخرج من مداخل التاج أرى أن أسجل الأثر الساحر للقبة الرئيسية في ترديد الصوت ، وقفت بداخلها وكأني طربت لما تصورت المقرئ بصوته الرخيم يردد الآيات البينات أو يصيح بعبارات التأبين و الندبة في أنغامه الشجية ، التي تبدو وكأنها دوي صوت الملائكة تردده تلك القبة ، ولا أنسى زيارتي الثانية للتاج في ليلة مقمرة ، فبدا وهجهه في ضوء القمر وسكون الليل الرهيب ، فأثار ما أثار في النفس من حالات 

إن أقرا غنية بالآثار المعمارية الاسلامية الأخرى الرائعـة ، فهذا ضريح الامبراطور أكبر الذي يعد أثرا معماريا رائعا ،وهو من المباني الجديرة بالزيارة ، أقيم من الصخر الرملي الأحمر ، تبطنه من الداخل رقائق الرخام الأبيض وهي تضم رفات أكبر مؤسس مدينة أجرا ، ولذلك يطلق على المدينة أحيانا أكبر آباد

وعلى بعد مسافة قصيرة بالحافلة من مدينة أجرا توجد مدينة ( فتحبور سكري ) بناها السلطان أكبر لتخليد ذكرى الشيخ الصوفي سليم ششتي واعرابا عن الشكر لله عز وجل على ولادة ابن له سماه سليما ، وظلت المدينة أروع مدينة في الشرق 

وكذلك يوجد ضريح اعتماد الدولة الذي أقامته نور محل زوج الامبراطور جيهان جير ، مدفنا لأبويها وكان أبوها من كبار رجال الدولة 

حدث أن كنت التقط صورا ، فطلب مني أحد الشباب أن التقط صورة له ولزوجته ظنا منهما أنني مصور ، لكن بعدما عرفا أنني سائح ، قدموا لي الشكر وسلموا لي عنوانهما لأرسل إليهما الصورة وإني سأرسلها لهما بعد ثلاثة وثلاثين سنة

Mr .Swapan Kumar Mukbsper ... West BENGAL  

لا نقول نودع بل ندع منطقة أجرا  وتراثها الإسلامي الخالد وأتمنى أن اعود اليها ان شاء الله ولو في الزمن السرمدي غير الوجودي

 

في معبد هندوسي.. يبدو أن السياسة و الدين متوافقان  أمام الملأ 

بعد مغاردة ضواحـي أجرا كنا في منطقة ( فرنيشي ) التي تعتبر من الأماكن المقدسة ، التي يتمنى الهندوس الموت فيها وإلم يحظوا بذلك ، فإحراق جثثهم ونثر رمادها في النهر ، يحقق بعض الرضي في نفوسهم ، وكأي مدينة مقدسة تزدحم بالزوار ورجال الدين والأبقار ، التي تجوب أرجاء المعبد بكل حرية

راهبان هندوسيان في معبد فرنيشي

 

 

في هذه المدينة تمتد قدسية الأبقار لتشارك الناس شرب الماء من النافورات العامة وتناول

الطعام على أرصفة المرطبات والتظلل بفيء ارصفة المحطة بكل دلال 

وأثناء العودة إلى نيودلهي نجد الذين يمارسون الألعاب المتخلفة منها لعبة الكوبرا ( أفعى سامة خطيرة جدا ) - بعد نزع منها  الغدة السامة تحت الناب والتي تحمل السم الزعاف ، وأنها لا ترقص إنما الآلة التي ينفخ بها الرجل تشبه رأس الكوبرا ، وبها أيضا خرزتان حمراوان كعين الحية ، فحين تظهر يكون قد نفخ في الآلـة ، وهزها يمنة و يسرى وبسرعة فتظن أنها تقابل الخصم بقصد الصراع ،وعندما طلب احد السياح الكف عن هز الآلة التي ينفخها  ،انقضت وبسرعة مخيفة ، ولكنه

استطاع السيطرة عليها ،وإعادتها الى قفصها الخاص بها وقيل له :أخرجها دون نفخ ،امتنع

هناك ألعاب أخرى تأتي بعد الثعابين ، القردة ، حيث تجد من يلاعبها ، ولعلها أقل إثارة وخطرا من منظر الكوبرا المخيف

عدت الى مدينة نيودلهي بعد جولة في رحاب الآثار الإسلامية، ، إني  أقدم ما كتبته  في جريدة المساء    كهدية للزوار الكرام

وهي تاج محل أو الصرخة الإسلامية الخالدة

انظر ما كتبته الصحافة عن رحلاتي . .

 تعرفت على كثير من الطلبة العرب الذين يدرسون في الجامعات الهندية التي يزيد عددها على 111 جامعة ، و تعرفت على طالب هندي يدرس بكلية الاقتصاد بجامعة نيودلهي وزرت معه الجامعة ، إنه

Gur GurdVINDER SINGH...DELHI-110051 INDIA

 وعلى سياح قدموا من الشمال والغرب من جنسيات مختلفة   ، وسبق أن وجدت بعضهم في فندق مصطفى بكابل وأثناء انتظاري ووقفتي في ممر خيبر  ، في الأيام الأخيرة قبل مغادرة نيودلهي شرقا إلى ولاية "أوتار براديش " صرت لا أشعر بشيء غير طبيعي ، ولعلي بدأت  أفهم غرابة المنطق المحلي ، حيث كل ماأراه وأسمعه لا يلبث أن أفهمه ويتحول إلى شبه حقيقة لكنها بعيدة عن الاعتقاد

كلمة لابد منها : أنني زرت السفارة الجزائرية بنيودلهي فوجدت من أعضائها كل تكريم  ، وعرفوا أنني طالب جزائري جامعي سائح في هذه الأصقاع ، وهنا أرى ومن الواجب أن أرد بكلمات متواضعة جميل الأخ السفير جمال الدين فخار الذي استقبلني أيما استقبال و أيما ترحيب ، كان نعم المرشد والمعين ، إذ جعلني أشعر أنني في مستوى الرحلة التي قررتها بإرادتي ،و المهمة التي أخذتها على عاتقي ، ووجدت من الأخ محمد ملوحي مساعدة لا أنساها ما حييت ، فقد كان ناصحا مع بعض أعضاء السفارة بعدم تكملة الرحلة إلى النيبال ، لأنه لا توجد لدينا سفارة في كاتمندو بل لا توجد تقريبا أي سفارة عربية هناك وأن حوادث كثيرة تقع في جبال الهملايا ، إلا أنني عزمت على الوصول إلى ما أردت معرفته ،وهنا أخذت توصية  لاستعمالها إذا ما أصبت أو انتهت  جميع المنافذ والمسالك ، لكني أخذت تأشيرة السفر من السفارة النيبالية بنيودلهي ودفعت (45 ) روبية وعزمت على السفر شرقا وتوكلت على الله 

UTAR BRADESH إلى ولايـة أوتار براديش 

 حيث مدينة  بينارس   محج الهندوس   VARANASI

تعتبر مدينة" بنارس " أكبر المدن المقدسة، التي يحج إليها الهندوس كل عام ، وترجع أهميتها إلى وقوعها على نهر الغانج المقدس ، وهي المعقل الأول للهندوسية ، ولها أهمية خاصة عند البوذيين . فبقربها تقع "سارنات "SARNATH أول مكان ألقى فيه جوتاما بوذا مواعظه ، ويوجد بها جامعة هندوسية ، تجذب إليها الطلبة من أنحاء الهند المختلفة 

*** اليوم الثلاثاء 20 أغسطس /أوت / 1977 ARANASI-BANGALOWS  

الأجرة : (25) روبية هندية

 لعل بنارس هي خير المدن ، التي تتمثل فيها الهند بأجلى مظاهرها ، إذ لم يكد يدخلها من المستحدثات إلا قليلا ، فهي مقر الزهاد والحكماء والخيرين والمتدينين من الناس ، الذين تبدو لنا عقائدهم كأنها أساطير،وهي تفاخر بأنها أقدم المدن المقدسة في العالم ، وكانت من المدن الهامة في سنة 558م.ق ، وقد اختارها بوذا بعد ذلك بقليل مقدما لتعاليمه

في أقاصيص الهندوس ، أن المدينة أقيمت من الذهب الخالص ، الذي استحال صخرا بسبب روح الفساد الذي ساد العالم ، ويُخيل للمرء وهو يسير في شوارعها وبين معابدها ومحارقها وسراديبها ، أنها مدينة محيطة بالأسرار الغامضة . المستعصية عن الفهم

الطريق ينتظر من يشتري منه بعض المعجونات أو الملفوفات ، وبأي عملة عدا الروبية الهندية ، فالسائح يجد هذه الأمور شبه خيالية أو أنه في رحلة أسطورية بعيدة عن الحياة العادية ، والسياح فقط الذين ينظرون إلى هذه المناظر باستغراب وتعجب ، والناس ينظرون إليها كشيء عادي يتكرر كثيرا ويوميا .

اقتربنا من مدينة "لكناو" خاصة وأن بعض الطلبة في جامعة  "نيودلهي " عرفت منهم، أنها مدينة أغلب سكانها مسلمين ، وفيها ( ندوة العلماء) وذكروا لي الشيخ أبو الحسن الندوي ومحمد منظور، وعلمت أن الندوي ، تعني كل من ولي رعاية ندوة العلماء وليس لقبا .

قررت إكمال الرحلة إلى مدينة "بنارس"  لأعرف وأرى  ما أردت معرفته عن حقيقتها ، أما مدينة "لكناو " فقد عرفت عنها الكثير بالسماع عن أصحابها ومورديهم

GANGE في نهر الغانــج

"بنارس" مدينة يؤمها من الحجيج نحو ثلاثة ملايين هندي أو يزيد كل عام ، يسجد الجميع إرضاء للآلهة الكثيرة، وبمجرد وصولهم وافدين من أقاصي بلاد الهند ، يبدؤون بزيارة المعابد ، التي يقال أن عددها يفوق الألف، ويطوفون بأسوار المدينة كلها في ستة أيام متوالية ، وهم يسيرون في طريق تظلله الأشجار، وتزينه المعابد ، وتماثيل الآلهة ويطلقون عليه اسم "بانش كازي " وقد سرت في الشارع الطويل بخطوات وعدت إلى ضفة النهر (المقدس) ، لأجلس في مكان هادئ قرب أحد المعابد التي يكثر فيها الزوار .

 في نهر الغانج : River Ganges

إن أقدس مافي مدينة "بنارس" نهر الغانج ، الذي رصف جانبه في مدرجات رائعة ، يؤمها  القوم  للطهارة من الذنوب ويلقون في النهر أكاليل الزهور وما تخلف من الرماد بعد حرق موتاهم .

وأجمل ما رأيت في المدينة من زورق وسط النهر ، بقايا القصور القديمة والمعابد الأثرية ، التي يرتطم بها وجه النهر ، ومدرجات النهر التي أقيمت من الجرانيت، وتقام  المقصورات التي يؤمها الأتقياء،ويستظلون بمظلات كبيرة تميل إلى النهر ،كي تقي القوم وهج الشمس المحرقة ، فيخيل للمرء أنها من كثرتها وعظيم امتدادها على جانب النهر كأنها الدروع في ميدان الحرب حافل بالأجناد وإذا ما مالت الشمس الى الغرب بدأت تلك الجموع الغفيرة تتلاشى ومن بينها بائعوا الفواكه وأكاليل الزهـــور

والهدايا التي يقدمونها قربانا للنهر المقدس ، لذلك تراها طافية مع طائفة من الأعشاب تشوب ماء النهر ، وكلما خف الجمع ، وفدت أسراب من الطيور المختلفة ، و أقبل الغروب ، زادت رائحة النهر إلى حد لا يحتمل ، حتى ليخيل للمرء أنه وسط مدافن ويزيد هذا الشعور قرب المدرجات المعدة لحرق الجثث وكنس فضلاتها وإلقائها في النهر،ويزيد الموقف وحشة صيحة الطيور المنفرة وكأنها تنعي من مات وأحرق .. أرجو أخي الزائر أن لا يفزعك هذا وقد رأيته على مضض !

إني السائح محمد العيد مطمر مع - حاجيين هندوسيين - بعد خروجي من نهر الغانج ( المقدس ) لدى الهندوس ، وقد كان الجو حارا جدا ، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في أوصالي وتغمر كياني ، وبصراحة يصعب علي أن أسترجع أو أعبر عن حالتي النفسية و الجسمية التي كنت فيها حينئذ ، والحمد لله رب العالمين ، واصلت رحلتي بمعنويات عالية إلى المنطقة البوذية في شمال الهند ...

وإذا ما بزغ الفجر ، تغير المنظر ، وبدأت المدينة تقذف بسكانها في مجموعهم إلى المكان من آدميين وغيرهم ، فترى الناس مقبلين على النهر ، وقد أرخوا أجسادهم البراقة بقماش رقيق مختلف الألوان ، وقد زينت رقابهم وآذانهم وأنوفهم وأيديهم وأصابعهم بالمعادن والجواهر والأحجار الكريمة ، وبكامل زينتهم تنغمس النساء في مائه المقدس ، أما الرجال فيخلعون أرديتهم والجميع يقدم أكاليل الزهور وأسراب الغربان والحمام ومختلف أنواع الطيور تؤم المكان فيحط بعضها فوق الماء والبعض فوق كواهل الناس ، وكأنها أيقنت إن عباد الآلهة لا يمسون الحيوان بأذى ، كذلك ترى قطعانا من البقر مقبلة إلى النهر لتغتسل ، وهنا يفسح الجميع لها الطريق في احترام عجيب ، وبعضهم يسرع فيقدم للبقر عنقودا من الزهر ، ثم هناك بعض الأغنام والكلاب والقردة مقبلة على الماء فيختلط الإنسان بالحيوان ، ولا يكاد يفرق المرء بين هذا وذاك.

علمت أن لكل جزء من تلك المدرجات اسم خاص ، فمن ضمنها مدرج الخيول العشرة ،حيث يؤمه الناس عند حدوث خسوف آو كسوف ، وهناك تماثيل لـ "الآلهة " على شكل إنسان في جسم أسد ، ومدرج الموتى ، حيث تحرق الجثث ، وهنا أذكر موقفا قد يكون مزعجا :

سلسلة طويلة من جثث النساء ألبسن أقمشة ملونة ، وأخرى للرجال في أردية بيضاء وبعد أن دهنت الجثث رأيتهم يغمرونها في النهر وبعدها يتم تغطيتها وأخذها في مكان حرقها بقطع الخشب ، تقدم شخص وطاف سبعة مرات حولها ، ثم أخذ يشعل النار في أركان كومة الخشب ، فتصاعد الدخان وعبقت الجو رائحة اللحم الآدمي تأكله النيران ، ويحاول جهده ألا تطفئ النار قبل إتمام احتراق الجثة ، وبعد إتمام الاحتراق ينفض ما بقي من الرماد في النهر ، منظر مفزع حقا ، وقفت في جنباته ساعة ،وأنا لا يكاد يستقر لي بال في المكان خوفا وجزعا وفزعا . وكنت أشتم شيئا من الرائحة العطرة ، علمت أنها لبعض الأغنياء ، الذين يحرقون موتاهم بخشب ثمين كالصندل وما شابه ذلك ...وهناك أماكن يحرق فيها الوجهاء موتاهم،وذلك شرف لا يناله الفقراء .وهذا بأقدس المدرجات وهو مدرج القرط وهو بئر ألقت فيه " إلهة " بقرط لها ، واليها يتقدم القوم بقرابين من الزهر وخشب الصندل والحلوى كلها ترمى فيها .وبجانبها قطعة من الرخام عليها طابع قدمي " اله " من الآلهة .

معبد الهندوس الذهبي:

قبل الدخول ، تقرع أجراسه ، وتزينه قبة بجانبها برج ، ويكسى الاثنان من الخارج بالذهب الخالص ، وهو معبد "اله الكون " وتجد الكهنة في داخله يحرقون البخور،ويقدمون الزهور ويرتلون في صيحات لا تنقطع ،وفي جانب المعبد يوجد بئر العلم وسط دائرة تحوطها الأعمدة الجميلة ، وتتوجها قبة ، ويقول القوم أن كل من تطلع إليه نال أعز أمانيه ، وقد نظرت إلى أعماقها بلهف زائد ، فلم أر إلا سطح ماء قد غطاه رم العشب وورق الزهور ، ويجلس بجانبها شخص يبيع الماء للناس ، الذين كانوا يتهافتون عليه ، الكل يملا يده ويقطر ثلاثة قطرات في فمه من طرف أصبعه،ويغسل رأسه بما بقي،وفي ذلك مفتاح الذكاء  والفطنة وتطهيرا للذنوب كائنة ما كانت ، والى جانب البئر تمثال ثور يعبدونه ، ويحوطون رقبته بعقود الفل والياسمين ويرشون عليه ماء النهر المقدس كما يعتقدون ... والله أعلم بما يوعون .

 

بعد خروجي من مياه نهر الغانج - المقدس عن الهندوس - الذي ينحدر من جبال الهملايا ويصب في مدينتي

الله أباد وبينارس ( التي زرتها ) بخليج البنغال

إلى ولاية -بهار-  bihar

مهبط الجينية والبوذية

في يوم 7 أيلول /سبتمبر 1977م ، وصلت إلى منطقة "كاجوراهو " ، التي يعتنق معظم سكانها بمذهبي الجينية والبوذية ، وقد ظهر هذان المذهبان في زمنين متقاربين في القرن السادس قبل الميلاد ،مؤسس الجينية "مها فيرا "ولد عام 599ق.م ،ومؤسس البوذية  جاوتاما بوذا ولد عام 563ق.م وبين الرجلين أوجه شبه كثيرة،منها : أنهما من طبقة "الكشتاريا " أي المحاربين ، وقد سلك الاثنان في إقامة مذهبيهما أساليب شتى متشابهة منها :الزهد والتقشف ، وكان كل منهما اتخذ لغة العامة التي يتكلم بها جمهور الشعب ، كما رفضا نظام الطبقات .

إن مها فيرا من أسرة ملكية ، ولما بلغ الثلاثين ،تنازل عن الحكم لأخيه ، وقضى عدة سنين في حياة الزهد ، متجولا بين القبائل في الغابات ، حتى وصل إلى عقيدة دعا إليها... وقد توفي سنة527ق.م . وبعد موته انقسمت الجينية ، ولم تنتشر بين الشعب انتشارا واسعا بسبب شدتها ودقة فرائضها ،و الجينيون  يستعينون بالبراهمة الهندوس في أداء الشعائر الدينية في المنازل  ، والمكان المقدس عندهم جبل "أبو "وحوله توجد عدة معابد جينية ، التي وصلت إليها ومكثت فيها للتأمل والتعرف على طقوس الجينيين عن كثب .

حدث أخي الزائر ، أن كنت في مطعم نباتي ،لاحظت بجانبي على زجاج النافدة حشرة تطير ولها طنين أزعجني ، فعمدت إلى قتلها فتعرض لي رجل ومنعني ، ثم تناولها بمنديله وألقى بها من النافذة ،وبعدها عرفت أنه  يدين بمذهب الجينية ، وهؤلاء لهم عقيدتهم في معنى الحياة والموت ، وهم طيبون بطبعهم وبالتعاليم التي يعتنقونها

معابد كاجوراهو ترجع إلى ألف سنة أو أكثر وهي معابد تحتفي بعاطفة الحب ولذة الحياة ، توجد الآن اثنان وعشرين فقط ،  بعد أن كانت خمسة وثمانون معبدا ، كانت واقعة في مدينة كاجوراهو وقد بلغت الذورة في الفن ، وتوجد هذه المعابد شمال ولايـة "مدهيا براديش " غرب ولاية بهار ، والرحلة كانت ذهابا وايابا ، لذا استطعت أن أرى ما فاتني رؤيته في الذهاب .

وصلنا إلى منطقة ، معظم سكانها "بوذيون" ،وبالقرب من هذا المكان تلقى "جاو تاما بوذا " (المستنير ) نور المعرفة ،بينما كان جالسا تحت شجرة "البو" وقد بنى الملك أسوكا ضريحا إلى جانب هذه الشجرة ، وبعدها حل محله معبد كبير ، هو معبد "البدة جايا "وعلى مقربة من الحائط الغربي لهذا المعبد ،تقوم شجرة التين الضخمة ، التي جلس تحتها بوذا ، واشتهرت هذه الشجرة ، أنها مهبط البوذية ،لكن بوذا بعد مراحل حدثت له في حياته  انتقل إلى مدينة " بنارس" حيث كانت له الموعظة وما إلى ذلك ، وقد قبلت الهند بالمبادئ التي نادى بها بوذا وازدهرت البوذية وتطورت إلى البوذية الجديدة .

وهنا في هذه المنطقة آثار البوذيين الذين أقاموا فيها أديرة منحوتة داخل الصخور ، وكانوا يجعلون لكل راهب حجرة صغيرة بها سريرين من حجر ، وهناك كهوف "أجانتا "التي حفرت وسط مناظر جبلية رائعة، في مكان مثالي للتعبد ، وترجع شهرة هذه الكهوف إلى النقوش التي تزين جدرانها ، وهي تمثل مسيرة حياة بوذا وحياة بعض الملوك ، وصور لعامة الناس الذين يعرفون بصدورهم العارية.

تمثال بوذا : يجلس متربعا على عرش اللوتس ... وكفاه وأصابعه في وضع يبدو فيه وهو يلقي تعاليمه على الناس  

كلمة لا بد منها

 أعتقد أنه من الأحسن أن نتعرف على السيخية والهندوسية والجينية والبوذية

Sikhism, Hinduism and Buddhism and Genetic

وهذا ما كتبته بالتفصيل في كتابي أسرار الهند الكبرى مخطوط ، وأعترف أني رغم تعبي في سبيل المعرفة ، وقبل المغادرة شمالا إلى النيبال ولهملايا ، كنت أتجول وابحث لأرى معالم الحياة الهندية ، وأكتب مذكراتي  يوميا في حينها ، وأعترف أن الشعب الهندي شعب مسالم بطبعه ، إلا عند الصراع الديني فهو عنيف جدا ، وقد تعرفت وعرفت الكثير بصدق في جو مثالي رائع .

لقد حان دورنا للسفر إلى آخر مدينة هندية ، و أشاروا إلينا أن نسرع ، وسرنا خفافا ، سواء أكنا في النيبال أو الهند ، أننا سياح وهكذا غادرنا شبه القارة الهندية شمالا من "جمرك  RAXAUL " في تمام الساعة الواحدة والنصف ليلا من يوم التاسع من شهر سبتمبر 1977م.

الحمد لله رب العالمين